مقالة : المقاربات البيداغوجية الحديثة
إعداد : الدكتور حفيظ باحو ، استاذ التعليم العمومي ، دكتوراه في علوم التربية.
المقدمة
شهد الحقل التربوي خلال العقود الأخيرة تحولات جذرية فرضتها التغيرات الاجتماعية والتكنولوجية والاقتصادية المتسارعة. وقد انعكست هذه التحولات على المنظومات التعليمية، التي باتت مطالبة بمراجعة أسسها النظرية والعملية، والانتقال من منطق التلقين التقليدي إلى منطق التعلم النشط القائم على التفاعل، وبناء المعرفة، وتنمية الكفايات. في هذا السياق، برزت مجموعة من المقاربات البيداغوجية الحديثة التي تسعى إلى تجديد الممارسات الصفية، وجعل المتعلم فاعلاً أساسياً في بناء معارفه ومهاراته.
الإشكالية وأهداف الدراسة
تتجلى الإشكالية المركزية لهذه الدراسة في التساؤل: كيف تساهم المقاربات البيداغوجية الحديثة في الارتقاء بجودة التعلمات وتطوير كفايات المتعلمين بما ينسجم مع رهانات التنمية المستدامة؟
وتهدف هذه المقالة إلى:
استعراض الأسس النظرية للمقاربات الحديثة.
تحليل أهم تمظهراتها في الممارسة التربوية.
إبراز قيمتها المضافة في تجويد التعليم.
الإطار النظري للمقاربات البيداغوجية الحديثة
1. المقاربة بالكفايات
تؤكد هذه المقاربة على الانتقال من التركيز على المحتويات المعرفية إلى بناء الكفايات القابلة للتوظيف في وضعيات حياتية ومهنية. فهي مقاربة تُمكّن المتعلم من تعبئة موارده المعرفية والمهارية والوجدانية لمواجهة مشكلات واقعية (Le Boterf, 2002).
2. البيداغوجيا الفارقية
ترتكز على مبدأ احترام الفروق الفردية بين المتعلمين، وتكييف استراتيجيات التدريس وفق حاجاتهم وقدراتهم. وتُعد هذه البيداغوجيا مدخلاً أساسياً لتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص داخل الفصل الدراسي (Perrenoud, 1997).
3. بيداغوجيا المشروع
تجعل المتعلم محور العملية التعليمية من خلال إشراكه في إنجاز مشاريع تربوية ذات صلة بواقعه، تسمح له بتنمية روح المبادرة، والقدرة على التعاون، وحل المشكلات (John Dewey, 1938/2004).
4. التعلم النشط والتعلم الرقمي
تعتمد هذه المقاربة على التفاعل الإيجابي للمتعلمين عبر أنشطة تدمج البحث، والنقاش، والمحاكاة، والتجريب. ومع بروز الرقمنة، أضحى التعلم النشط متلازماً مع توظيف الوسائط التكنولوجية الحديثة (Siemens, 2005).
المناقشة والتحليل
تُظهر التجارب التربوية المعاصرة أنّ هذه المقاربات الحديثة تمثل استجابة نوعية للتحديات الراهنة، إذ تمكن من:
- تفعيل دور المتعلم كذات مفكرة ومنتجة للمعرفة.
- إكساب كفايات شمولية تشمل المعارف، المهارات، والقيم.
- تحقيق العدالة التربوية عبر تكييف التعلمات مع اختلاف المتعلمين.
- توظيف التكنولوجيا في خدمة التعلم الذاتي والتعلم مدى الحياة.
- غير أنّ تفعيل هذه المقاربات يظل رهيناً بجملة من الشروط، من أبرزها:
- تكوين المدرسين في مجالات بيداغوجية وتكنولوجية حديثة.
- توفير الوسائل الديداكتيكية والبنية التحتية الملائمة.
- مراجعة المناهج والبرامج بما ينسجم مع روح هذه المقاربات.
الخاتمة
إن المقاربات البيداغوجية الحديثة ليست مجرد استراتيجيات تعليمية بديلة، بل هي تحول في الفلسفة التربوية ذاتها، حيث تنتقل من منطق التلقين إلى منطق بناء الكفايات وتنمية القدرات. وتبرز أهميتها في قدرتها على جعل المدرسة فضاءً للتعلم الذاتي، والتفكير النقدي، والإبداع، بما ينسجم مع متطلبات مجتمع المعرفة والتنمية المستدامة.
المراجع (بنمط APA)
Dewey, J. (2004). Experience and education. Kappa Delta Pi. (Original work published 1938)
Le Boterf, G. (2002). Construire les compétences individuelles et collectives. Paris: Éditions d’Organisation.
Perrenoud, P. (1997). Pédagogie différenciée: Des intentions à l’action. Paris: ESF.
Siemens, G. (2005). Connectivism: A learning theory for the digital age. International Journal of Instructional Technology and Distance Learning, 2(1), 3–10.
#التربية #التربية_السليمة #التربية_الايجابية صفحة #الدكتور_حفيظ_باحو #المغرب #التعليم #التدريس #التعلم #الطفل #الرضيع #الديداكتيك #البيداغوجيا #الابتدائي #الاعدادي #الثانوي #اكادير #مراكش #الرباط #طنجة #فاس #الدار_البيضاء #كلميم #كلميم_باب_الصحراء #بيزكارن #بويزكارن #الاخصاص #طاطا #تارودانت #تزنيت #تزنيت_تفراوت_مراكش_اكادير